الشيخ السبحاني
96
مفاهيم القرآن
آياتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُون » . « 1 » ومع رؤية هذه المعجزة الكبرى التي كان من المفروض أن تزيد في إيمانهم وانصياعهم لنبيهم موسى عليه السلام ، لكن - وللأسف - قست قلوبهم بنحو يحكي سبحانه شدة تلك القساوة ويقول : « ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كالحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَة » . وبما أنّ الحجر هو المعروف بالصلابة والقساوة شبّه سبحانه قلوبهم بالحجارة وقال : إنَّ قُلوبهُمْ « كالحِجارَة أَوْ أَشَدّ قَسوَة » أي : بل أشدّ قسوة ، فكلمة « أو » موضوعة مكان بل . ثمّ إنّ القلوب إمّا بمعنى النفوس الناطقة ، فعندئذ تكون نسبة القساوة إلى الروح نسبة حقيقية . أو انّ المراد منها هو العضو المودع في الجهة اليسرى من الصدر الذي ليس له دور سوى تصفية الدم وإرساله إلى سائر الأعضاء ، وعندئذٍ تكون النسبة مجازية ، وإنّما نسبت القساوة إلى ذلك العضو ، لأنّه مظهر من مظاهر الحياة الإنسانية ، وأوّل عضو يتأثر بالأُمور النفسانية كالفرح والغضب والحزن والجزع ، فلامنافاة في أن يكون المدرك هو النفس الناطقة ، ومع ذلك يصحّ نسبة الإدراك إلى القلب . ثمّ إنّه سبحانه وصف قلوبهم بأنّها أشدّقسوة من الحجارة ، وعلّل ذلك بأُمور ثلاثة : الأوّل : « وَانّ مِنَ الحِجارة لَما يَتَفَجَّرُ مِنْه الأَنْهار » . الثاني : « وَانَّ مِنْها لما يَشَّقّق فيَخرج مِنْهُ الماء » .
--> ( 1 ) البقرة : 73 .